أبو علي سينا
149
القانون في الطب ( طبع بيروت )
المعدة منقلباً متغيباً ، وتكون الطبيعة ممسكة ، فما يسكن القيء يزيد في إمساك الطبيعة ، وما يحل الطبيعة يزيد في القيء ، إلا أن يكون المغثي خلطاً رقيقاً أو مرارياً ، فيعالج في الحال بماء الإجاص ، والتمر هندي ، ونحوهما فينفع من الأمرين جميعاً . ومن الناس من لا يزال يشتهي الطعام ، وما يمتلئ منه يقذفه ، أو يزلقه إلى أسفل ، ثم يعاود ، ولا يزال ذلك ديدنه ، وهو يعيش عيش الأصحاء كأن ذلك له أمر طبيعي ، وهاهنا طائر يصيد الجراد . ولا يزال يأكل الجراد ، ويذرقه ، ولا يشبع دهره ما وجده وحيوانات أخرى بهذه الصفة ، ومن الناس من إذا تناول ظن أنه إن تحرك قذف ، أو إن غضب أو كلّم أو حرّك حركة نفسانية قذف . والسبب في ذلك مما علمت ، وأسلم القيء هو المخلوط المتوسط في الغلظ والرقة من أخلاط ما هو لها المعتاد ، كالبلغم ، والصفراء . فأما الكرّاثي من الأمراض فدليل شرّ . والأخضر إلى السواد كاللازوردي ، والنيلنجي في أكثر الأمر يدل على جمود الحرارة وهما غير الكرّاثي والزنجاري ، على أنه قد يتفق أن يكون السبب الاحتراق أيضاً ، إلا أن الاحتراقي الذي ليس له عن تسويد البرد ، وتكدير ، وموت القوة هو إلى إشراق ، وصفاء ، وكراثية ، وموت القوة . على أن القيء الأصفر ، والكراثي ، والزنجاري . يكثر لمن بكبده مزاج حار جداً . ويعرض لصاحب الورم الحار في الكبد في الصفراء ثم قيء كرّاثي ، ثم زنجاري ، ويكون معه فواق ، وغثيان . وأما الأسود ، إلا في أورام الطحال ، وفي آخر الربع ، فرديء . والمنتن فرديء ، وخصوصاً أيهما كان في الحمّيات الوبائية ، وإذا وجد تهوع في اليوم الرابع من الأمراض فليقذف فإنه نافع . فصل في العلامات المنذرة بالقيء : الغثيان والتهوّع مقدمتان للقيء ، وإذا اختلجت الشفّة ووجدت امتداداً من الشراسيف إلى فوق ، فاحكم به . وأما علامات الخلط الرديء العفن الفاعل للغثيان والقيء ، إن كان حاراً ، فالعطش ، والطعم الرديء في الفم ، والعفونة الظاهرة . وعلامة ما كان من ذلك الخلط صديدياً الوقوف عليه من أمر القيء ، وشدة تأذي المعدة به مع خفتها ، لأنه إنما يؤذي بكيفيته لا بكمّيته . وعلامة الخلط الجيد الغير الرديء الذي يفعل ذلك بكميته أن لا يكون هناك بخر ، وعفونة ، وطعم رديء ، وقيء رديء ، ويسكنه إن كان رقيقاً الأدوية العفصة ، وإن كان غليظاً الأدوية الملطّفة ، ويدل عليه كثرة الرطوبة ، وكثرة القيء الغير الرديء ، وكثرة البراز ، وكثرة اللعاب ، لا سيما إن كان تخمة قد تقدمت . وعلامة ما كان سببه سوء مزاج ، فم المعدة ، فهو لا يحتمل ما يرد عليه ، بل يتحرك إلى دفعه . وعلامة أحد سوء المزاجات المذكورة ، والذي يكون بسبب مشاركة الدماغ ، أو الكبد ، أو الرحم ، فعلامته علامات أمراض الدماغ والكبد وغير ذلك .